أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

206

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

قَبْلُ » . قال الشيخ : « وهذا وقول الزمخشري راجعان إلى معنى واحد ، وهو أن « ما فَرَّطْتُمْ » يقدر بمصدر مرفوع بالابتداء » ، « وَمِنْ قَبْلُ » في موضع الخبر ، وذهلا عن قاعدة عربية ، وحق لهما أن يذهلا ، وهي : أن الظروف التي هي غايات إذا بنيت لا تقع إخبارا للمبتدأ جرّت أو لم تجر ، تقول : « يوم السبت مبارك والسفر بعده » ، ولا تقول : والسفر بعد ، وعمرو زيد خلفه » ، ولا يجوز : « زيد عمرو خلف » وعلى ما ذكرناه يكون « تفريطكم » مبتدأ ، و « مِنْ قَبْلُ » خبره وذلك لا يجوز ، وهو مقرر في علم العربية . قلت : قوله : وحق لهما أن يذهلا ، تحامل على هذين الرجلين المعروف موضعهما من العلم ، وأما قوله : إنّ الظرف المقطوع لا يقع خبرا فمسلم ، قالوا : لأنه لا يفيد وما لا يفيد ، فلا يقع خبرا ، وكذلك لا يقع صلة ولا صفة ولا حالا ، ولو قلت : « جاء الذي قبل » ، أو « مررت برجل قبل » لم يجز ، لما ذكرت ، ولقائل أن يقول : إنه امتنع ذلك ، لعدم الفائدة وعدم الفائدة لعدم العلم بالمضاف إليه المحذوف ، فينبغي إذا كان المضاف إليه معلوما مدلولا عليه أن يقع ذلك الظرف المضاف إلى ذلك المحذوف خبرا وصفة وصلة وحالا ، والآية الكريمة من هذا القبيل ، أعني : مما علم فيه المضاف إليه كما مر تقريره ، ثم هذا الردّ الذي ردّ به الشيخ سبقه إليه أبو البقاء ، فقال : « وهذا ضعيف ، لأن « قَبْلُ » إذا وقعت خبرا أو صلة ، لا تقطع عن الإضافة ، لئلا تبقى ناقصة » . الثالث : أنها مصدرية أيضا في محل رفع بالابتداء ، والخبر هو قوله : « فِي يُوسُفَ » ، وإلى هذا ذهب الفارسي ، كأنه استشعر أن الظرف المقطوع لا يقع خبرا ، فعدل إلى هذا ، وفيه نظر ، لأن السياق والمعنى يجذبان إلى تعلق « فِي يُوسُفَ » ب « فَرَّطْتُمْ » ، فالقول بما قاله الفارسي يؤدي إلى تهيئة العامل للعمل وقطعه عنه . الرابع : أنها مصدرية أيضا ، ولكن محلها النصب على أنها منسوقة على « أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ » أي : ألم تعلموا أخذ أبيكم الميثاق وتفريطكم في يوسف ، قال الزمخشري : « كأنه قيل : ألم تعلموا أخذ عليكم موثقا وتفريطكم من قبل في يوسف » . وإلى هذا ذهب ابن عطية أيضا . قال الشيخ « 1 » : « وهذا الذي ذهبا إليه ليس بجيد ، لأنه فيه الفصل بالجار والمجرور بين حرف العطف الذي هو على حرف واحد ، وبين المعطوف ، فصار نظير « ضربت زيدا وبسيف عمروا » ، وقد زعم أبو علي الفارسي : « أنه لا يجوز ذلك إلّا في ضرورة شعر » . قلت : وهذا الردّ سبقه إليه أبو البقاء ، ولم يرضه ، فقال : وقيل هو ضعيف ، لأن فيه الفصل بين حرف العطف والمعطوف ، وقد بينا في سورة النساء أن هذا ليس بشيء . قلت : يعني أن منع الفصل بين حرف العطف والمعطوف ليس بشيء ، وقد تقدم إيضاح ذلك وتقريره في سورة النساء كما أشار إليه أبو البقاء . ثم قال الشيخ « 2 » : وأما تقدير الزمخشري : وتفريطكم من قبل في يوسف ، فلا يجوز ، لأن فيه تقديم معمول المصدر المنحل بحرف مصدري والفعل عليه ، وهو لا يجوز . قلت : ليس في تقدير الزمخشري شيء من ذلك ، لأنه لما صرح بالمقدر أخر الجارين والمجرورين عن لفظ المصدر المقدر ، كما ترى ، وكذا هو في سائر النسخ ، وكذا ما نقله الشيخ عنه بخطه ، فأين تقديم المعمول على المصدر ؟ ، ولو رد عليه وعلى ابن عطية بأنه يلزم من ذلك تقديم معمول الصلة على الموصول لكان ردا واضحا ، فإنّ « مِنْ قَبْلُ » متعلق ب « فَرَّطْتُمْ » وقد تقدم على « ما » المصدرية ، وفيه خلاف مشهور .

--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 336 ) . ( 2 ) انظر المصدر السابق .